أقلام وآراء » المصري اليوم » من فات قديمه: د. لوتس عبدالكريم تكتب: رأس البر.. مكان تحت الشمس

اشترك لتصلك أهم الأخبار

وكنت في أيام الصبا أقرأ للكاتب الكبير محمد التابعى كثيرًا، وضمن ما كتب كان عن المطربة الرائعة أسمهان (25 من نوفمبر1912- 14 من يوليو 1944)، التي أعشق صوتها كثيرًا بعد فيروز التي أقدمها على كل الأصوات.

كان محمد التابعى (18 من مايو 1896- 24 من ديسمبر 1976) يحكى كثيرًا عن منطقة رأس البر المعتدلة المناخ، وكيف كان هذا الشاطئ الرائع هو المصيف المفضل للمطربة الجميلة، ولعظماء مصر، خصوصا الفنانين، مثل محمد عبدالوهاب وأم كلثوم والباشوات، وحتى الأسرة المالكة.

كنت أحلم برأس البر، وحين أتيحت لى زيارة دمياط، مدينة الفن والأثاث العالمى عدة مرات، سألتهم إن كان يمكننى رؤية رأس البر، ودهشت حين ذهبت، فوجدت العشش البدائية وأكواخا على ساحل البحر، وتدنيًا في الذوق، وكذا فئات المصطافين، وعزفت تمامًا عن مواصلة الإلحاح في الذهاب إلى هذا المكان، إلى أن جاء يوم من أيام الملل العظيم؛ فاقترح علىّ بعض الأصدقاء الذهاب إلى رأس البر كلون من التغيير، وتعجبت هل ما زال اسم رأس البر يتردد على الألسنة، ويرد على الخاطر، بعد ما لحق المكان من إهمال، وسوء نظام، بل اختفاء تام، وذهبت، وفوجئت بفندق عملاق يحتل المكان؛ ليعيد إلى رأس البر- كمصيف- الروعة والجلال والجمال. هذه هي رأس البر جديدة لم أرها أبدا، تأملت مشدوهة التقاء البحر بالنيل في عناق سرمدى رائع يرسل النسائم المعطرة برائحة المياه الزكية. منظر ساحر وهواء نقى ولوحة ربانية من سحر الخالق الأعظم.

إنها رأس البر جديدة، لا مثيل لها في أي مصيف، عشت يومين أتامل المساحات المهدرة، وأماكن كانت تقام بها العشش في الأيام السالفة، حلت محلها بنايات مختلفة الألوان، في هندسة بديعة تضفى على المكان الرصانة والإتقان.

خرجت بسيارتى أجوب الشوارع حتى دمياط وعزبة البرج، أشجار منسقة تحتل الشوارع حتى البحر، ومساكن ملونة في ذوق وفن رفيعين، ألوان ورسوم وتقسيمات هندسية، إنهم أصل الفن والمفروشات التي تنافس الإنتاج العالمى، لا زحام، ولا ضوضاء، ولا قذارة في الشوارع،.

وعُرفت مدينة رأس البر قديما قبل الفتح العربى باسم (جيزة دمياط) أي «ناحية دمياط»،، وعندما زارها تقى الدين المقريزى (764 هـ- 845 هـ) (1364م- 1442م) سماها (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)، فيما جاء اسمها الحالى (رأس البر) بسبب موقعها على خريطة مصر، حيث تعد أول مدينة تطل على الساحل، وتشكل أراضيها لسانًا من اليابسة داخل الماء، وتتبع المدينة مركز دمياط إداريا، وتعد نقطة التقاء مياه النيل العذبة بمياه البحر الأبيض المتوسط المالحة في المكان المعروف بـ«اللسان»، حيث يصب النيل مياهه.

وأعود إلى التاريخ، ففى عام 1883 جاء إلى رأس البر العالم الألمانى روبرت كوخ (11 من ديسمبر 1843 -27 مايو 1910) الحائز جائزة نوبل في الطب سنة 1905، والذى انتدبته الحكومة المصرية على إثر انتشار مرض الكوليرا بمصر، وزار رأس البر، وكتب عنها في تقريرله: (يمتاز بموقعه الجميل، وهوائه النقى الجاف وشواطئه الذهبية وبعده عن الضوضاء، وهو أقل رطوبة من جو الشواطئ المصرية الأخرى، وتكثر في هوائه كمية اليود)، وأثناء الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) حين حرم الكثيرون من الأرستقراطية المصرية من السفر إلى الخارج اشتد الإقبال على رأس البر.

فندق اللسان أقيم في منطقة اللسان من أروع البقاع في مصر، حيث ورد ذكرها في القرآن الكريم قال تعالى «مَرَجَ البَحرَينِ يَلتقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ» سورة الرحمن.

أما منطقة الجربى السياحية برأس البر فتعد أولى مناطق العلاج الطبيعى في مصر، حيث اشتهرت برمالها الجافة لعلاج الروماتيزم وآلام المفاصل، وأعود إلى كتابة الصحف المصرية عن رأس البر، ففى أغسطس من سنة 1942 نشرت مجلة آخر ساعة أن الملكة نازلى أعجبت كثيرًا برأس البر وقالت إنها تشبه ( فينسيا) المدينة الإيطالية. وقد لا يصدق أحد أن كثيرًا من باشوات مصر لم يجدوا أماكن في فنادقها؛ ففرشت الفنادق لهم على الأرض إلى أن تفرج.

وحكى الكاتب صلاح منتصر عن فنادق رأس البر (كان مصطفى النحاس باشا وأعضاء حزب الوفد ينزلون في فندق «كورتيل»، أما إسماعيل صدقى باشا وحسين سرى باشا فينزلان في فندق (مارين)، وعبدالوهاب كان ينزل (كورتيل)، أما أم كلثوم فكانت تنزل في فندق (مارين)، ويكمل صلاح منتصر حكاياته: في رأس البر تعرف الموسيقار محمد عبدالوهاب إلى زوجته إقبال نصار، ووقع في هواها في فندق (كورنيش)، ونجيب الريحانى وتوأمه بديع خيرى ألفا مسرحية ( حسن ومرقص وكوهين ) في رأس البر عن شخصيات حقيقية.

أما أسمهان فقد اتصلت بإدارة فندق كورنيش في 13 من يوليو 1944 لحضورها صباح الجمعة 14 من يوليو، وطلبت إمداد غرفتها بالغداء، ولم تكن أسمهان تخلف مواعيدها معهم، وقلقوا إلى أن سمعوا خبر مصرعها وهى في طريقها إلى رأس البر. وكانت ليلى مراد مواظبة على المصيف دائما بالمدينة.

وفى عام 1967 تغيَّر تاريخ رأس البر بعد تهجير أهالى بور سعيد، وأصبحت مدينة دائمة صيفا وشتاء، ودخل البناء كل العشش التي أصبحت من الطوب والأسمنت.


بتاريخ:  2019-11-08


التعليقات على الموقع تعكس آراء كتابها ولا تعكس آراء الموقع.
يمنع أي لفظ يسيء للذات الالهية أو لأي دين كان أو طائفة أو جنسية.
جميع التعليقات يجب أن تكون باللغة العربية.
يمنع التعليق بألفاظ مسيئة.
الرجاء عدم الدخول بأي مناقشات سياسية.
سيتم حذف التعليقات التي تحوي إعلانات.
التعليقات ليست للتواصل مع إدارة الموقع أو المشرفين. للتواصل يرجى استخدام صفحة اتصل بنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
يجب ملىء حقل الاسم.
يجب ملىء حقل العنوان.
يجب ملىء حقل الرساله.