رأي » المصري اليوم » «الصعيدية».. جبروت ملكة (الحلقة الأخيرة)

لاقتراحات اماكن الخروج

البحث عن هوية مصر ومحاولة تحديد الملامح المميزة للشخصية المصرية موضوع كتاب «سندباد مصرى»، فالمؤلف يطوف في تاريخ مصر متلاطم الأمواج، مقدمًا رؤية خاصة لها عبر مختلف الحقب التاريخية، كما يلقى الضوء على أبرز التحولات والمواقف التي أسهمت في تكوين الشخصية المصرية.

في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة من الكتاب يعرض المؤلف ثالثة ملكاتنا «مصرية صعيدية»، كانت أعظمهن شخصية وقدرًا. فالحرب التي مارستها لم تكن حرب فتوح، لكنها كانت حرب امرأة تطالب بحقها في العرش- مثل كليوباتره- وتحصل عليه. ثم تطلب شيئًا لم تفكر به كليوباتره ولا شجرة الدر، وهو مساواتها بالرجال وتمارس المهنة المصرية القديمة: صناعة الحضارة!.

وإلى التفاصيل:

أضاعت الملكة كليوباتره (بنت الزمار) عرش البطالسة واستقلال مصر، وحفظت أم خليل الملك، الذي ورثته عن آل أيوب، لخشداشيها.

كانت كليوباتره آخر ملوك البطالسة، وكانت شجرة الدر أول سلاطين المماليك، أما ثالثة الملكات، فلم تختم على خيبة أسرة ملكية، ولم تفتح الطريق لأسرة ملكية، وإنما قامت في الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية بشخصيتها الفارعة، وسط صف من الملوك العظام: أسرة تحوتمس وأمنحوتب، والثائر أخناتون، والملك الصغير المرتد توت عنخ آمون.

ثالثة ملكاتنا مصرية صعيدية، وكانت أعظمهن شخصية وقدرًا. فالحرب التي مارستها لم تكن حرب فتوح، ولا حرب دفاع، ولكنها كانت حرب امرأة تطالب بحقها في العرش- مثل كليوباتره- وتحصل عليه. ثم تطلب شيئًا لم تفكر به كليوباتره ولا شجرة الدر، وهو مساواتها بالرجال: فتسوى بالرجال، لا لترفس وتنطح، بل لتعمل من أجل السلام، وتمارس المهنة المصرية القديمة: صناعة الحضارة!.

في حفلة الملعب الإسكندرى، أطلق زير النساء الرومانى على عشيقته المقدونية لقب ملكة الملوك- لا الملكات، ولكن ملكة الملوك حقا، كانت حتشبسوت. لأن كليوباترة مثل شجرة الدر كانت قبل كل شىء. امرأة، ولها كل صفات الأنثى من قوة محركها الضعف. وسيطرة عن طريق اللعب بالعواطف، واستغلال حب الرجال. ومن قدرة على حبك المؤامرات والحيل. كانت حياة كليوباترة سلسلة من المغامرات، تختلط فيها السياسة بالعاطفة. فعلاقاتها الغرامية – أو على الأقل ما حفظه التاريخ منها كانت ذات هدف سياسى، سواء عشقت ابن بومبيوس الكبير، أو انطوت وتكورت في أحضان قيصر، أو فتحت صدرها البض ليغوص فيه رأس أنطونيوس، ولكنها قد قاربت الأربعين، جربت أخيرًا حظ كاليبسو من تليماك، وعرفت بأس الملكة ديلونة من إخضاع إنياس، فجرى عليها مع أكتافيانوس ما جرى على ملكة قرطاجة مع بطل الإلياذة. وآثرت الموت على الحياة عندما تحققت من بطلان سحرها.

شجرة الدر كانت حياتها هي أيضًا حياة أنثى، ولكن في الحلال. ووراء أستار البردة.

حكمت على بعلها التركمانى أيبك بتطليق ضرتها أم ولده. فنفذ حكمها صاغرًا، وعندما تحقق بطلان سحرها، أو عصيان أوامرها: سار عز الدين أيبك في إجراءات الخطبة لمصاهرة صاحب حلب، ودبرت قتل زوجها شر قتلة، وكانت كتلك الحيّات التي يقال إنها تموت إذا ما أفرغت سمها القتّال، ولكن أعداءها لم يمهلوها. بل سحقوا رأسها بالقباقيب سحقاً، ورموا جثتها عريانة في خندق القلعة.

أما حتشبسوت، فكانت المرأة- الرجل حقا، كانت المسترجلة بالمعنى المعاصر على الأقل فيما عرفناه عنها، وحدثتنا به آثارها. ولقد ضحكت سخرية يوم عرفت أن بعض المؤرخين المحدثين يتهمون صلاتها بمنهدسها سن- موت، وذلك لأن الصورة السيكولوجية التي بقيت لنا عن تلك المرأة الغربية، ليس فيها سوى قليل من الأنوثة. ولست أعنى أن عملية جراحية حديثة كانت تحولها إلى رجل، فإننا نعرف للملكة المصرية بنتين. والقليل الذي نراه من صورها لا يمكن الاستدلال منه على أكثر من أنها مثلت نفسها في ملابس الفرعون، ولست أجد فارقًا كبيرًا بين تمثالها من حجر الجير الذي استصلحه الأمريكان. والموجود بمتحف المتروبوليتان. وبين التمثال الرائع لتحوتمس الثالث بالمتحف المصرى. ففى التمثالين نرى صورة من صور الشباب، وقد غطى كل منهما رأسه بذلك الغطاء المصرى الصميم، الذي يعطى رأس خفرع. ورأس أبى الهول، وستر كل منهما النصف الأسفل من جسده بالمئزر المصرى القديم، ونرى حتشبسوت على مسلتها الملقاة قرب البحيرة المقدسة بالكرنك، وهى في هيئة شاب يافع، يلبس التاج الأزرق المنتفخ، يطل منه الصل الملكى فوق الجبهة. وفوق صدرها العقد الملكى ذو السبع بوردورات.. أو الستة الصفوف، وفى خصرها المئزر يغطى ساقيها حتى فوق الركبة، وقد ركعت بين يدى آمون رع، وأولته ظهرها، وإله طيبة يرفع يديه في حركة مَن يباركها.

أو ربما في حركة إلباسها التاج الأزرق، وفى أعلى الصورة. بالحفر البارز. رمز السماء بنجومها في خط مستقيم. وتحته نقش أسم «آمون- رع. رب السموات». وقوله: آتينا ابنتى معا- كا- رع ملك الأرضين، وتراث آتوم، عربونا دائمًا على حبى لتلك التي وهبناها الحياة.

وفى صور أخرى لها. تظهر بلحيتها المستعارة، كعادة ملوك الفراعنة، وهى في جميع صورها تمثل مفلطحة الصدر، وجاء عليها حين رفعت حرف التأنيث من اسمها. فهى ملك مصر لا ملكتها. وهى الفرعون لا الفرعونة، وهى حتشبسو لا حتشبسوت، ومن أسف أنه لم يعثر على موميائها من بين المومياوات التي عثر عليها في القرن الماضى بقاع بئر عند معبدالدير البحرى.


بتاريخ:  2020-02-14


التعليقات على الموقع تعكس آراء كتابها ولا تعكس آراء الموقع.
يمنع أي لفظ يسيء للذات الالهية أو لأي دين كان أو طائفة أو جنسية.
جميع التعليقات يجب أن تكون باللغة العربية.
يمنع التعليق بألفاظ مسيئة.
الرجاء عدم الدخول بأي مناقشات سياسية.
سيتم حذف التعليقات التي تحوي إعلانات.
التعليقات ليست للتواصل مع إدارة الموقع أو المشرفين. للتواصل يرجى استخدام صفحة اتصل بنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
يجب ملىء حقل الاسم.
يجب ملىء حقل العنوان.
يجب ملىء حقل الرساله.