أقلام وآراء » المصري اليوم » ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون وتمهيص المثقفون

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ويقف فيلم «البيضة والحجر» على قمة أعمالهما المشتركة، وسبب ذلك مردود إلى أن الفيلم يعالج القضية العمدة التى تمثل أزمة تسود فى مجتمعاتنا العربية على وجه العموم، وفى مجتمعنا المصرى على وجه الخصوص، وتنطوى الأزمة على إشكالية وهى غياب التفكير العقلانى المنطقى الناقد الذى يعبر عن لب القدرة على التفلسف- ولا أقول الفلسفة- عن الجماهير المصرية من جهة، وغلبة- بل سيادة- التفكير الخرافى اللاعقلانى الذى يحرض على الدجل والشعوذة وتعاطيهما كالماء والهواء.

فى مشهدين من أهم مشاهد الفيلم، يوجز الكاتب والمخرج قضية الفيلم المحورية. يجمع المشهد الأول بين بطل الفيلم الذى يعمل مدرساً للفلسفة فى إحد المدارس الثانوية الحكومية ويسكن سطوح أحد البيوت، وخادمة من ساكنى السطوح التى تعمل غسالة، بعد أن يخبرها أنه يحضر رسالة دكتوراه فى الفلسفة.

تسأل الجارة متصورةً أن الفلسفة عضو من أعضاء الجسم يحتاج إلى طبيب لمعالجته عندما يعطل: «هى الفلسفة ده فى أهنى مكان فى الجتة؟ يعنى لما الواحد فلسفته توجعه، الوجع ييجى فين فى الجتة؟»، ويجيبها المدرس بكل حسم ووضوح: «ييجى فى الدماغ عدل».


أما المشهد الثانى فيجمع بين المدرس وزميله، وهما يتنزهان فى حديقة. يعلن المدرس لزميله عن قراره المصيرى الآتى:

المدرس: «اللى خلانى أعرف قواعد المنطق الرياضى ومبادئ الميتافيزيقا قادر يعرفنى على أصول الدجل».

ثم يُعرِّف المدرس لفظ الشعبذة وممارسة الدجل بأنهما «اللعب الذكى على أحلام ورغبات الناس»، ثم يضيف محذراً ومتوعداً المجتمع المنحرف الذى قرر أن ينتقم منه بعد أن نبذه لأنه صاحب مبادئ: «ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون وتمهيص المثقفون»، ولفظ «تمهيص»، فى تقديرى، وهو من سك الكاتب، لفظ مصرى عامى شعبى يشير إلى حالة تحول شخص ما إلى «مهياص»، أو فى قول آخر «ألعوبان»، أى باختصار «نصاب».

ويبرر لنا أصحاب الفيلم أن هذا القول التحذيرى لبطل الفيلم من مدرس فلسفة جاد وملتزم وصاحب مبدأ فى الحياة، يقوم على فكرة التكيف مع المجتمع، وذلك بملاءمة متطلباته مع إمكانياته المادية، ويسمى ذلك المبدأ «أنا أحارب الغلاء بالاستغناء»، ويحرض التلاميذ على اتباع مبدئه. وبعد أن اتُّهِمَ بأنه يحرض التلاميذ على الفكر الشيوعى من جهة، والإرهاب ضد المجتمع من جهة أخرى، تم فصله من المدرسة. وكانت الظروف قد وضعت فى طريقه الغرفة التى يسكنها فوق السطوح، والتى كانت وكراً لدجال مشعوذ سيطر على سكان العمارة، فما كان من المدرس إلا اقتناص تلك الصدفة، وحل محل المشعوذ والدجال الجاهل مشعبذ وفيلسوف محنك.


بتاريخ:  2020-10-18


التعليقات على الموقع تعكس آراء كتابها ولا تعكس آراء الموقع.
يمنع أي لفظ يسيء للذات الالهية أو لأي دين كان أو طائفة أو جنسية.
جميع التعليقات يجب أن تكون باللغة العربية.
يمنع التعليق بألفاظ مسيئة.
الرجاء عدم الدخول بأي مناقشات سياسية.
سيتم حذف التعليقات التي تحوي إعلانات.
التعليقات ليست للتواصل مع إدارة الموقع أو المشرفين. للتواصل يرجى استخدام صفحة اتصل بنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
يجب ملىء حقل الاسم.
يجب ملىء حقل العنوان.
يجب ملىء حقل الرساله.